فوزي آل سيف

6

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

إن هذه الملاحظة حرية بالتأمل والتفكر، فلماذا كان ذلك بالرغم من وجود العربيات والقرشيات على وجه الخصوص ومن بني هاشم بنحو أخص؟ والجواب على ذلك: إننا نعتقد أن من أسوأ ما يبتلى به مجتمع هو الشعور بالفخر الكاذب لا لشيء إلا لأنه من هذه القبيلة، أو من هذه القومية أو من هذا الجنس البشري. فالقرشي يعتبر نفسه أفضل من القحطاني، والعربي أو الفارسي يرى نفسه أفضل من التركي أو العكس، والجنس الأبيض يرى نفسه أرفع شأنا من الأسود الزنجي وهكذا! وهذا الفخر الكاذب والشعور المزيف قد يكون أساسًا لثقافة مدمرة تنتهي إلى أن يُستباح الطرف غير الأفضل بحسب الزعم، وأن تُصادَر حقوقه لا لشيء إلا لأنه أسود اللون أو غير عربي أو ما شابه! وقد رأينا في عالمنا المعاصر كيف أن الأنظمة العنصرية قد استعبدت شعوبًا تراها أقل شأنا منها لقرون من الزمان، وأخذت أموالهم. وعندما جاء الإسلام فإنه أكد من الناحية القانونية والثقافية على أنه {إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ} وأنه «لا فضل لعربي على أعجمي..) وسعى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم بخطوات عملية لرفع هذا الشعور والفكر، من خلال تزويجه جويبرا بالذلفاء، والمقداد بابنة عمته ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة بزينب بنت جحش ابنة عمة النبي الأخرى، ولكن مع كل ذلك لم يتحول ذلك إلى ثقافة جديدة وبديلة في المجتمع العربي المسلم، وبقيت حالة من التمييز على أساس اللون والعنصر والجنس واللغة سائدة في الأمة إلى أوقات متأخرة. لا على المستوى الشعبي فقط وإنما حتى على المستوى الرسمي وفي ثقافة من يفترض أنهم أعرف الفئات الاجتماعية فها هو الخليفة الأموي معاوية «يعيب الإمام الحسين عليه السلام ويعيره[9] بأنه قد نكح جارية من الجواري وترك العربيات”!!

--> 8  نقصد من ذلك التسلسل التام وإلا فإن أم الإمام زين العابدين عليه السلام هي أيضا أم ولد. 9  الحصري القيرواني، إبراهيم بن علي: زهر الآداب وثمر الألباب، ١/ ١٠١: كان لمعاوية بن أبي سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس وقريش، فكتب إليه: إنّ الحسين بن علي أعتق جارية له وتزوّجها؛ فكتب معاوية إلى الحسين: من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن علي. أمّا بعد، فإنه بلغني أنك تزوّجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممّن تستنجبه للولد، وتمجد به في الصّهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت. فكتب إليه الحسين بن علي: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وتعييرك إياي بأني تزوّجت مولاتي، وتركت أكفائى من قريش، فليس فوق رسول منتهى في شرف، ولا غاية في نسب؛ وإنما كانت ملك يميني، خرجت عن يدي بأمر التمست فيه ثواب تعالى؛ ثم ارتجعتها على سنّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رفع بالإسلام الخسيسة، ووضع عنّا به النقيصة؛ فلا لوم على امرئ مسلم إلَّا في أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية!